دور إحياء العقول في جهاد التبيين

محاضرة سماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ رضا غلامي، رئيس مركز “صدرا” لدراسات العلوم الإنسانية الإسلامية.

المكان: حوزة الرسول الأكرم العلمية، بيروت

الزمان: 2022/10/6 الموافق 9 ربيع الأول 1444

بسم الله الرحمن الرحیم، الحمدلله رب العالمین، الصلاه و السلام علی رسول الله و علی آله الطیبین الطاهرین، و لعنه الله علی اعدائهماجمعین

بدايةً، أحيّيكم أيها الأعزّاء؛ علماءَ وطلاباً ومثقّفين، معبّراً عن شكري وتقديري لرئاسة حوزة الرسول الأكرم العلمية في بيروت والقائمينعلى عقد هذه الندوة في هذه القاعة.

موضوع حديثي يحمل عنوان “جهاد التبيين على المستوى الثقافي وأهمية الصحوة العقلية”. وسأدخل في صلب الموضوع رأساً بدونمقدّمات.

يتميّز الإنسان عن غيره بسعيه وراء الحقيقة والأنس بها؛ فهو معيار يقظته ومسبار وعيه.؛ فلا عجب-والحال هذه- أن تنبري السلطاتالطاغوتية على مدى التاريخ لتخدير وعي البشر والاستخفاف بعقولهم بشلّ حركة سعيهم للبحث عن الحقيقة، وذلك باللجوء لمختلف الأساليبحتى ولو بلَبوس دينيٍّ أحياناً. وقد أشار القرآن الكريم لذلك في تعامل فرعون مع قومه «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ».

إنّ الكرامة الإنسانية، باعتبارها من الحقوق الطبيعية التي لا نقاش فيها، تقتضي إتاحة الفرصة لبلوغ الحقيقة؛ ما يجعل كلّ أنواعالتعمية والرقابة وتحريف المعلومات بعيداً عن الحقيقة من أشدّ المظالم التي يمكن أن تطال البشرية.

ومنذ حوالي قرنين من الزمن، ما برح نظام السلطة يقبض على رقبة أغلب الرأي العام العالميّ بقمع الحقيقة ونشر الأكاذيب مستغلّاًهيمنته على أغلب أجهزة الدعاية والإعلام العالمية، ولا سيما وسائل التواصل والشبكات الاجتماعية الافتراضية في عصرنا الراهن، ليصارإلى اتخاذ النسبة الكبرى من البشر رهائن لديه.

ومن المفارقات المضحكة، أن تتشدّق تلك الماكنات الدعائية التابعة لنظام السلطة لا سيما الناشطة على مستوى البيئة الافتراضية، برميالآخرين بالاتهامات الوقحة جزافاً بإخفاء الحقيقة، مع أن سجلّها الأسود حافل بأكثر عمليات التعمية تعقيداً وقذارةً طوال التاريخ!!

لا يخفى أن قمع توجه الإنسان الذاتي للبحث عن الحقيقة يشكّل مقدّمة للتلاعب بأفكاره وتلقّي سلسلة من الأكاذيب المتنوعة؛ حتى يصارأسلوباً يعتمد تكرار الأكاذيب لدرجة تخلق حالة من التبلّد لدى الإنسان تجاه التعامل معها والردّ عليها، ما يجعله قابلاً لتصديقها بمرورالزمن بل تتحوّر شخصيته وفقها. ولعلّ أشدّ الأكاذيب تأثيراً في تلك السلسلة، تلك التي تمسّ ثقة الإنسان بعقائده الحقيقية؛ ولنفرض فيهذا السياق، مبادرة البعض كي يسلخ مجموعة من آي القرآن الكريم أو الأحاديث الشريفة أو الوقائع التاريخية التي تعود لصدر الإسلاممن مصداقيتها، فلا ريب في هذه الحالة أن تتوفر الأرضية الخصبة لتجذير سلسلة من الافتراءات على الإسلام فيما بعد.

وهناك نوع آخر من الأكاذيب المتسلسلة التي لا تقلّ خطورة عما سبق؛ وهو الذي يسلب ثقة الإنسان الرساليّ بنفسه في مهمته التنويرية؛وذلك بكيل التهم عليه والتشكيك بصدقه وأمانته وإخلاصه ووصمه بالكذب والعمالة وشهوة السلطة وهوى المصلحة الشخصية وسواها منالصفات السلبية التي تشوّه الصورة التي ترسّخت عنه في بيئته، ما يخلق نوعاً من حالة الصدّ تجاه طروحاته، بل ربما تؤدي مبادراتهالثقافية لنتائج عكسية نتيجة ذلك الجوّ الملوّث.

وبناءً عليه، لنا أن نتصوّر مدى سطوة شبكات التواصل الاجتماعية في عصرنا “لتمسيخ” تصوراتنا الذهنية حتى عن أنفسنا ووضعنا أمامتحدّي الهوية في نشاطاتنا.

في مثل هذه الشروط الضاغطة، لا غرابة أن يكون كثير من خياراتنا الثقافية خارجاً عن إرادتنا، وكأننا مجرّد مستهلكين لأفكار مفروضةعلينا بدهاء وخبث من حيث لا ندري. بل إن شريحة واسعة من البشر حول العالم يعانون من فقدان استقلاليتهم الثقافية، متوهمين أنهمأحرار مع أنهم فقدوا تلك الحرية منذ زمن بعيد وهم لا يشعرون…

في هذا السياق، يمكن للعلوم المعرفية Cognitive science أن تلعب دوراً في تمهيد الطريق لتوجيه الرأي العام لصالح نظامالطاغوت؛ إذ تتمثل وظيفتها الأساس في دراسة ماهية الدماغ والذهن ووظائفهما وعملية التمثيل المعرفي؛ فهي تخصص علميّ جامع لعدةفروع معرفية ذات صلة بالذهن وعملياتها بالتكامل مع فهم النفس (خاصة فهم النفس الاستعرافي), والذكاء الاصطناعي، اللسانياتlinguistics، واللسانيات النفسية psycholinguistics، والفلسفة (خاصة فلسفة العقل)، علوم الحاسب، العلوم العصبيةneuroscience، المنطق، الروبوتات robotics، الأنثروبولوجيا anthropology وأخيرا فهم الأحياء بما في ذلك الميكانيك الحيويbiomechanics، تسهم بمجموعها في خلق قفزة نوعية على مستوى العمليات الإعلامية بهدف التأثير على المخاطب؛ الأمر الذي يمكّنوسائل الإعلام في الحقيقة من أداء مهمتها في الهيمنة على أفكار البشر بأكمل وجه من خلال التحكّم بتفاصيل هيكلية الذهن البشريوتفاعلاته الطبيعية في إطارها.

ماسبق ذكره لا ينبغي أن يستغفلنا عن أخطائنا التي تخلق أحياناً من حيث لا نقصد فرصة لتبلور سلسلة من الأكاذيب حول حقيقةٍ ما؛الأمر الذي يجسّد المقولة التي تشير إلى أن الذباب لا تتجمع إلا على القروح الملوثة، فيكفي أن نفتح جرحاً بأعمالنا الطائشة كي نجذبالحشرات المؤذية لتحطّ عليه.

ومن الخطايا الكبرى التي يمكن أن تعطي ذريعة لأجهزة نظام السلطة لاستغلالها، حالاتُ التناقض التي قد تبدر منا قولاً أو سلوكاً؛فنقطع بالحكم على أمرٍ ما ليتبيّن فيما بعد عدم صحته كلياً أو جزئياً، أو نتحدث بأمرٍ ونعمل خلافه؛ كمحاربة ظاهرة الأرستقراطية من جهةوالغرق في ملذاتها كنمط عيش في الوقت نفسه!

لا شكّ أنّ من يرتكب تلك الأخطاء عمداً ليس سوى من يتبنى مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، والذي لا يمتّ بأي صلة للإسلام الذي يرفضمنطقه تبرير اللجوء لأي واسطة غير مشروعة ولا أخلاقية في سبيل تحقيق هدفٍ مهما كان مقدساً؛ فكل حركاتنا وسكناتنا محسوبة علينامهما بلغت من الصغر، كما أن أخطاءنا تمثل أفضل الفرص لأعدائنا كي يشنوا حملاتهم النفسية علينا.

لقد واجهت المجتمعات الإسلامية خلال العقود الأخيرة تحديات كبرى؛ منها ظاهرة تحوّر القيم التي يطلق عليها في علم الاجتماعبالأنوميا anomie، وهي حالة اجتماعية تعمل على اجتثاث القيم الأخلاقية الحقيقية ممهدةً الأرضية لتبلور تناقضات داخل المنظومةالاعتقادية ما يسهم في تمزق المجتمع. فالآنوميا، بعبارة أخرى، تمثل “شذوذ” القيم باستبدالها بما يناقضها، ليصبح المعروف منكراًوبالعكس.

وإذا كان عقل الإنسان الفطري يقوم بمهمة تمييز القيم من غيرها أو تصفية المعروف والمنكر، فما الذي يجري حتى تقع الاستحالةالقيمية؟

هناك عوامل عديدة تسهم في حدوث تلك الظاهرة، إلا أن أهمها طروء الاختلال في عملية التمثيل العقلي بإضعاف حالة البصيرة في العقلالفطري بتغليب الطبيعة على الفطرة لخلق نوع من غياب الوعي في الإنسان، وهذا الأخير بدوره وخلافاً للتصور لا يطرأ بالضرورة عن طريقالاستدلال، بل إن نمط الحياة السائد وما تفرضه من التزامات تسهم في خلق حالة السكر تلك.

في مثل هذه الحالة، يتقاصر تبليغ القيم أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أداء دوره في التأثير لأن العقل العرفي رغم تمييزه القيمإلا أنه عاجز عن تحديد ما يضادّها؛ فيصطدم زخم فعاليات الوعظ والخطابة والنشاطات الثقافية وبرامجها المكثفة في هذه الحالة بحائطمسدود في سعيها لاستقطاب المخاطب. الأمر الذي يفرض علينا المبادرة لتغيير نمط حياتنا بإبراز عناصر جذبها ومزاياها من ناحيةواستهداف نمط حياة المهاجم والتركيز على عيوبه ونقاط ضعفه.

في هذا السياق، يعتبر التحول الاجتماعي الذي تحقق في العهد النبوي إنجازاً عظيماً ترافق مع جهد شاقّ ومعقد ودقيق، لم يكن ليتمّ بدونحسابات علمية دقيقة وذكاء عميق.وعندما نطرح فكرة نمط الحياة الإسلامي، فإننا لسنا بصدد إطلاق المنافسة مع نمط الحياة الغربي، بل نقارب أطروحة خلق عالم مختلفبخطاب متمايز لم يعتد عليهما الأفراد الذي يفتقرون للتجربة الإيمانية والدينية. ولا بدّ أن نعترف بصعوبة انتقال البشر من عالم يتسقوطبائعهم ويلبي نزعاتهم الأنانية الطبيعية، إلى عالم يتبنى لزوم الاستثمار العقلاني للطبيعة جسراً للعبور نحو الرقيّ.

غير أن ذلك لا ينبغي أن يمنعنا من تصور إمكانية الخروج من العالم المادي لآخر معنوي؛ إذ يكفي أن نتمسك برمز ذلك التحول والمتمثلفي خلل ثورة ذاتية من صميم الإنسان باستخراج دفائن العقول سبيلاً لصحوة كبرى بإحياء الفطرة الإلهية كي يقع ذلك التحول خارجالحسابات المادية. وقد أشار مولانا علي (ع) لذلك في سياق بيان الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل؛ حيث قال: “ليثيروا لهم دفائن العقول” فيوصفة رائعة عمل بها الإمام الخميني في إطلاق الثورة الإسلامية التي صدمت كثيراً من علماء الاجتماع السياسي حول العالم.

لطالما أكدت على نقطة مهمة وملهمة؛ وهي أن الإمام الخميني استطاع استقطاب مئات الآلاف من الشباب الإيراني وغيره ممن عايشواعدة عقود من عهد الطاغوت الطافح بالفساد، فصاروا رهن إشارته يقدمون أرواحهم بعشق دفاعاً عن الثورة أثناء مرحلة الدفاع المقدس، رغمأنه لم يكن يمتلك منظمة ثقافية معقدة وكبرى، ولا ثروة تمنحه القدرة على التحكم بتقانات العصر وأجهزته الثقافية. ويكمن السرّ في نجاحالإمام الخميني أنه سار على خطى الأنبياء والرسل بإثارة ذلك التحول الداخليّ وخلق ذلك الزلزال العظيم في صميم أولئك الشباب، ما مكّنهمن اختصار طريق الألف ميل بقفزة نوعية.

ورب قائل يقول: في مثل تلك الوقائع، علينا ألا نغفل عن دور العواطف الجياشة والأحاسيس الملتهبة في اكتساح العقلانية والتعقل!!

ولكن الحقيقة تكمن في اعتبار العاطفة والتعقل وجهين لعملة واحدة؛ فالتكامل المتوازن بينهما يسهم في بلورة الحافز والإرادة لخلق التحولاتالفردية والاجتماعية الكبرى؛ إذ العقلانية بلا عواطف لا تخلق محرّكاً للتحول، كما أن العواطف دون عقلانية تجرف الإنسان نحو دوامةالخرافات والأوهام.

في المقابل، لا يعاني علم الاجتماع العلماني من التبلّد تجاه فهم تلك الحقائق فحسب، بل يتعامل معها كروايات غير مبررة، ليحرم نفسهمن ثمرات تلك التجارب الكبرى، ولا على مستوى انتصار الثورة الإسلامية والدفاع المقدس التي لمسناها عياناً على الأقل.

لا نقاش في ضرورة إحياء العقل الفطري ونقل البشر إلى عالم مختلف كما أشرنا آنفاً، إلا أنّ الأهمّ من ذلك كله أداء دورنا في تعزيزقدرة الجماهير لفرز المعلومات الصحيحة من المغلوطة كي نصل بهم إلى مرحلة النضج الفكري في التعامل مع الكم الهائل من المعلوماتوالتحليلات المحوّرة كالسمّ في العسل. وطبعاً لا نتوقع من العامّة في هذا السياق أن يخوضوا في التفاصيل ويحيطوا بها علماً، بل يكفي أننعزز فيهم حالة الحساسية تجاه أي مسٍّ بمبادئهم وأصولهم ومحكماتهم القيمية.

أما الخطوة التالية فهي خلق المِصدّات الجادّة في أذهان الأفراد لمنع تسرّب سلسلة الأكاذيب المتكررة على مستوى المنابع أو الجهاتذات الصلة وغيرها. مع التأكيد على عدم الاقتصار على مجرد البعد الذهني للمصدّات فحسب، بل العمل على تجسّدها بشكل ملموس.

إذاً، لا يتحدد جهاد التبيين ثقافياً بمجرد ارتقاء المنابر والمنصات لطرح سلسلة معلومات تبدو صحيحة بنظرنا أو القيام بمجموعة منالنشاطات الثقافية الروتينية المقولبة والجاهزة، بل ينبغي أن يتمّ عبر بلورة قدرة الوعي والفهم وخلق مصدّات بهدل صون الذهن في مواجهةالحملات التي يمكن لها أن تسلبنا فرصة تبيين الحقيقة.

وهنا، أجد لزاماً التأكيد على أن تبيين الحقيقة اليوم عملية علمية شاقة دقيقة ومعقدة، لا يجوز التهاون فيها، بل يمكن للمبادراتالاعتباطية في هذا المجال أن تؤدي لنتائج عكسية تعقّد مسار تبيين الحقيقة.

الخلاصة: لقد أكدت خلال بحثي المهم على ثلاث عشرة نقطة أساسية، وهي:

أولاً. الإنسان موجود ساعٍ للحقيقة بالفطرة.

ثانياً. دأب نظام الطاغوت طوال التاريخ لسدّ مسار البحث عن الحقيقة.

ثالثاً. إن إزالة العقبات في طريق البحث عن الحقيقة من حقوق الإنسان الأساسية التي تقتضيها كرامته.

رابعاً. من الألاعيب التي يلجأ إليها نظام الطاغوت لسدّ باب البحث عن الحقيقة، اختلاق سلسلة من الأكاذيب وتكرارها حتى يسهل تقبّلها.

خامساً. تطور العلوم المعرفية عزز قدرة العدو على التسلط على الرأي العام إلى درجة كبيرة.

سادساً. يستغل العدو إلى أقصى حدٍّ أخطاءنا المقصودة وغير المقصودة كفرصة لبلورة سلسلة أكاذيبه وتسهيل تقبّلها.

سابعاً. إن تحوير القيم أو ظاهرة الأنوميا الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية من الظواهر الاجتماعية المريرة خلال العقود الأخيرة.

ثامناً. من أهم عوامل تحوير القيم، شلّ العقل الفطري في البشر عبر تغليب الطبيعة على حساب الفطرة.

تاسعاً. ليس من السهولة نقل الإنسان من عالم الطبيعة لعالم الفطرة؛ لتوقفه على خلق تحول باطني ذاتي.

عاشراً. رسالة الأنبياء والرسل تتمثل في إثارة ذلك التحول الباطني واستخراج دفائن العقول من صميم الإنسان لإحياء الفطرة الإنسانية.

حادي عشر. إن العواطف والتعقل وجهان لعملة واحدة؛ فلا تكفي العواطف الدينية وحدها رغم أهميتها. ولا يمكن خلق تحولات فرديةواجتماعية إلا بمراعاة التوازن بينهما.

ثاني عشر. لخلق الوعي بين البشر ولو على مستوى الأصول والمحكمات وتعزيز القدرة على تمييز المعلومات الصحيحة من الخاطئة دور كبيرفي جهاد التبيين.

ثالث عشر. ضرورة خلق مصدّات ذهنية لتقليل آثار الحملات العدائية، فضلاً عن تعزيز قدرة الوعي لدى الجماهير.

ختاماً، أكرر شكري لكم أيها الحضور الكريم متمنياً لكم مزيد التوفيق والنجاح.

والسلام علیکم و رحمة الله وبركاته

https://r-gholami.ir/?p=2881